سور الصين العظيم ..المستحيل الذي لا تعرفه الصين
بقلم: محمد مازن
قبل خمسة عشر عاماً، كان قرار الذهاب إلى سور الصين العظيم يحتاج مني إلى أكثر من حذاء مريح.
كنت أسكن غرب الطريق الدائري الثاني في بكين، بينما ينتصب السور في الشمال على بعد نحو سبعين كيلومتراً فقط. كلمة “فقط” هنا مضللة للغاية، لأن بكين لم تكن تقيس المسافات بالكيلومترات، بل بالدقائق الضائعة في الزحام.
كان الوصول إلى السور يبدأ بمعركة صغيرة مع المدينة.
أحزم حقيبتي وأخرج من المنزل في الصباح الباكر، ثم أدخل شبكة من الطرق الدائرية المتشابكة وأستسلم، مثل الجميع، لبطء الحركة. كان الطريق يشبه نهراً من الحديد. آلاف السيارات تتحرك ببطء شديد، وكأن المدينة كلها تحاول المرور من ثقب إبرة واحد، بينما تتشابه إشارات المرور وتتكرر المشاهد نفسها عند كل تقاطع.
أتذكر أنني كنت أصل أحياناً إلى سور الصين العظيم منهكاً أكثر مما لو كنت صعدته سيراً على الأقدام.
في تلك الأيام كنت أظن أن بكين، مثل أي مدينة عملاقة، استسلمت لقدرها. فكلما زاد عدد السكان زاد الزحام، وكلما زاد عدد السيارات زادت المعاناة.
كان ذلك يبدو قانوناً من قوانين الطبيعة.
لكن الصين لديها عادة غريبة؛ فكلما أقنعك شيء بأنه مستحيل، بدأت في البحث عن طريقة لجعله ممكناً.
عدت مؤخراً لأكرر الرحلة ذاتها.
خرجت من المنزل في الموعد نفسه تقريباً، لكنني شعرت هذه المرة بأن أحداً ما يرافقني طوال الطريق.
لم يكن شخصاً.
بل شبكة كاملة من الخوارزميات.
هاتفي يقترح وقت الانطلاق الأمثل، والتطبيق يختار الطريق الأقل ازدحاماً، ونظام النقل يقترح عليّ ما إذا كان المترو أسرع من السيارة في تلك اللحظة. وحتى قبل أن أصل إلى أول تقاطع، كانت المدينة قد اتخذت عشرات القرارات نيابة عني.
الإشارات المرورية لم تعد تعمل كما كانت.
في الماضي كانت جميعها تقريباً تتبع الإيقاع نفسه، أما اليوم فلكل إشارة شخصيتها الخاصة. إحداها تطيل الضوء الأخضر لأن حركة المرور كثيفة، وأخرى تختصر زمن الانتظار لأن المركبات أقل عدداً. كأن التقاطعات أصبحت تتحدث مع بعضها بعضاً.
وحين بحثت، اكتشفت أن آلاف الكاميرات وأجهزة الاستشعار والحافلات المتصلة بالأقمار الصناعية تغذي ما يعرف بـ”عقل المدينة”، وهو نظام ذكاء اصطناعي يراقب الحركة ويعيد تنظيمها لحظة بلحظة.
حتى أعمدة الإنارة التي تبدو عادية للمارة تحولت إلى موظفين صامتين داخل هذه المنظومة. فهي تقيس كثافة المرور، وتراقب جودة الهواء، وتخفض استهلاك الطاقة عند الحاجة، وتساعد في توجيه المركبات نحو المسارات الأقل ازدحاماً.
لكن المفاجأة الأكبر كانت تنتظرني بعيداً عن الطريق.
فعندما وصلت إلى سور الصين العظيم، وهو أمر يتكرر في مواقع كثيرة داخل العاصمة، لاحظت أن التغيير لم يقتصر على كيفية وصولي إليه، بل امتد إلى طبيعة التجربة نفسها.
في الماضي كان معظم السياح يتدفقون نحو الأماكن نفسها وفي الأوقات نفسها: سور الصين العظيم، والمدينة المحرمة، والقصر الصيفي.
أما اليوم، فأصبحت الخوارزميات تقترح مسارات مختلفة لكل زائر تقريباً.
قد تخبرك أن القصر الصيفي مزدحم الآن، وتقترح عليك زيارة أحد أحياء الهوتونغ القديمة أولاً، أو تدلك على مقهى صغير أو معرض فني أو سوق محلية لم تكن لتسمع عنها من قبل.
في الظاهر تبدو مجرد خدمة مريحة للسائح، لكنها في الحقيقة تغير اقتصاد المدينة بأكمله.
قبل سنوات، كانت معظم الأموال التي ينفقها السياح تتركز في عدد محدود من المناطق والمعالم الشهيرة. أما اليوم، فأصبحت الأحياء البعيدة والمتاجر الصغيرة والمطاعم العائلية تحصل على نصيب أكبر من الزوار.
في أحد أحياء بكين القديمة، حدثني صاحب متجر صغير عن تغير عدد الزبائن خلال السنوات الأخيرة. لم ينتقل متجره إلى موقع أفضل، ولم يرفع ميزانية الإعلانات، بل وجد نفسه فجأة على خرائط وتوصيات التطبيقات الذكية التي بدأت تقود الزوار إلى أماكن لم تكن موجودة على الخريطة السياحية التقليدية.
هنا فهمت أن السياحة الحضرية لم تعد مجرد زيارة للمعالم التاريخية، بل أصبحت إدارة ذكية لحركة البشر داخل المدينة.
وللعلم، لم تحاول بكين حل مشكلة الزحام بالتكنولوجيا وحدها، بل حاولت تقليل الحاجة إلى الزحام من الأساس.
فالحصول على لوحة سيارة جديدة أصبح أشبه بالفوز بجائزة كبرى. وبعض السيارات تمنع من السير في أيام محددة. والمترو يتمدد كل عام. والحافلات تحصل على مسارات خاصة. والسيارات الكهربائية تحظى بتسهيلات إضافية. أما الدراجات فقد عادت بقوة لتحتل مكانها في المشهد الحضري.
هنا فهمت درساً صينياً جديداً:
التكنولوجيا وحدها لا تحل المشكلات.
التكنولوجيا تصبح فعالة فقط عندما تكون جزءاً من نظام أكبر.
ولهذا لم تكن رحلتي إلى سور الصين العظيم هي أكثر ما أثار إعجابي ذلك اليوم.
ما أثار إعجابي أن مدينة يعيش فيها أكثر من واحد وعشرين مليون إنسان استطاعت أن تجعل الحركة أكثر سهولة وانسيابية مما كانت عليه قبل خمسة عشر عاماً.
ما تغير في بكين ليس الطرق ولا المباني ولا وسائل النقل.
الذي تغير حقاً هو طريقة تفكير المدينة.
وأنا أفكر في هذا التحول، وجدت نفسي أستحضر القاهرة أيضاً.
فمصر تعيش اليوم طفرة سياحية مهمة. فالمتحف المصري الكبير، ومشروعات تطوير القاهرة التاريخية، وشبكات الطرق الجديدة، وتحديث المطارات، كلها تعكس طموحاً واضحاً لاستقبال أعداد أكبر من الزوار من مختلف أنحاء العالم.
لكن تجربة بكين جعلتني أدرك أن المنافسة السياحية في المستقبل لن تكون بين المدن الأكثر امتلاكاً للآثار أو الفنادق فقط، بل بين المدن الأكثر قدرة على التفكير من أجل زوارها.
فالسائح لا يتذكر المعلم السياحي وحده، بل يتذكر أيضاً الوقت الذي قضاه في الطريق، وسهولة التنقل بين المواقع المختلفة، وقدرته على الوصول إلى المعلومات، واكتشاف أماكن جديدة خارج المسارات التقليدية.
وربما تستطيع القاهرة، بما تملكه من تاريخ استثنائي وحيوية لا تضاهى، أن تستفيد من أدوات الذكاء الاصطناعي لتقديم تجربة أكثر سلاسة وثراءً؛ من إدارة الحركة حول المناطق الأثرية، إلى توجيه الزوار نحو أحياء وأسواق ومطاعم ومراكز ثقافية أقل شهرة، بما يوزع العوائد السياحية على نطاق أوسع ويمنح السائح فرصة لاكتشاف مصر الحقيقية، لا مجرد زيارة معالمها الأشهر.
فالمدن الذكية لا تفكر فقط في كيفية جذب السائح، بل في كيفية جعله يرغب في العودة مرة أخرى.
وأنا أقف فوق سور الصين العظيم، أتأمل الأحجار التي صمدت قروناً طويلة، التفت خلفي إلى المدينة التي جاءت بي إلى هنا واكتشفت مفارقة جميلة.
فالصين التي بنت أحد أعظم الأسوار في التاريخ بالحجارة، أصبحت اليوم تبني أسواراً غير مرئية من البيانات والخوارزميات لحماية مدنها من الفوضى.
الفرق الوحيد أن السور القديم كان يُبنى بالحجارة، أما السور الجديد فيُبنى بالمعلومات.
وربما يكون هذا هو مستقبل السياحة الحضرية.
لن يسافر الناس من أجل رؤية الذكاء الاصطناعي، لكنهم سيشعرون بوجوده في كل خطوة؛ في طريق أقصر، وهواء أنظف، وطابور أقصر، ومدينة تعرف كيف تدير نفسها.
السؤال الذي يواجه مدن العالم اليوم ليس ما إذا كانت ستستخدم الذكاء الاصطناعي، بل كيف ستستخدمه دون أن تفقد روحها الإنسانية.
أما بكين، فيبدو أنها قررت أن تخوض هذه التجربة مبكراً، وأن تجعل من المدينة نفسها مختبراً مفتوحاً للمستقبل.


