التراث بوصفه مشروع مجتمع ..قراءة أنثروبولوجية في مهرجان ثادق

بقلم خالد ال دغيم

في كثير من المدن، تُقام المهرجانات التراثية بوصفها أحداثًا موسمية تنتهي بانتهاء أيامها، لكن في ثادق يبدو المشهد مختلفًا؛ إذ يتحول التراث من مجرد عرضٍ للماضي إلى ممارسة اجتماعية حيّة يعيد المجتمع من خلالها تعريف علاقته بالمكان والذاكرة والإنسان.

فالبيوت الطينية، والأهازيج الشعبية، وروائح القهوة، والعرضة، والحرف التقليدية، ليست عناصر للفرجة فقط، بل أدوات ثقافية يستعيد الناس عبرها سرديتهم المحلية، ويؤكدون حضورهم الاجتماعي في زمنٍ سريع التحول. وهنا تظهر القيمة الأنثروبولوجية للمهرجان؛ لأنه لا يقدّم التراث كشيء جامد محفوظ في الذاكرة، بل كهويةٍ تُمارَس وتُعاش وتُنتج المعنى من جديد.

ومن خلال التجول في تفاصيل المهرجان، يمكن ملاحظة أن المجتمع المحلي في ثادق لا يقف في موقع المتلقي للحدث، بل في موقع الشريك وصانع التجربة. فالأهالي يشاركون بذاكرتهم، وحضورهم، وحكاياتهم، وأعمالهم، وكأن الجميع يساهم في إعادة بناء صورة المكان أمام الزائر وأمام الأجيال الجديدة أيضًا.

وهذا ما يجعل المهرجان يتجاوز البعد الترفيهي إلى بُعدٍ اجتماعي وتنموي أعمق؛ إذ تتحول السياحة الثقافية هنا إلى وسيلة لتعزيز الانتماء، وإحياء العلاقات الاجتماعية، وربط الإنسان بجذوره المحلية بطريقة أكثر حيوية وتأثيرًا.

الأهم من ذلك، أن التجربة تكشف تنامي وعي أبناء المجتمع المحلي بأهمية القطاع غير الربحي ودوره في التنمية الثقافية والاجتماعية. فحين يدعم الأهالي الجمعيات والمبادرات والمؤسسات غير الربحية، فهم لا يساندون فعالية عابرة، بل يشاركون في صناعة مشروع مجتمعي طويل الأمد يقوم على حفظ الهوية، وتمكين الحرفيين، وتعزيز العمل التطوعي، وخلق فرص المشاركة للأسر والشباب.

ومن منظور الأنثروبولوجيا السياحية، فإن هذا النوع من الإيمان المجتمعي يُعد مؤشرًا مهمًا على نضج العلاقة بين المجتمع والتنمية؛ لأن المجتمعات التي تنجح في حماية تراثها ليست بالضرورة الأكثر ثراءً، بل الأكثر قدرة على تحويل ثقافتها المحلية إلى قوة اجتماعية واقتصادية ورمزية.

في ثادق، يبدو التراث وكأنه لغة مشتركة تجمع الناس حول فكرة واحدة: أن بناء المجتمع لا يتحقق بالمشروعات الكبرى وحدها، بل يتحقق أيضًا حين يشعر الإنسان بأن له دورًا في حماية ذاكرته الجماعية والمساهمة في مستقبل مدينته.

ولهذا لا يمكن النظر إلى مهرجان ثادق بوصفه مجرد مناسبة تراثية، بل بوصفه نموذجًا اجتماعيًا يؤكد أن الثقافة ليست ترفًا، وإنما أحد أعمدة التنمية المستدامة، وأن المؤسسات غير الربحية حين تجد مجتمعًا يؤمن برسالتها، تصبح قادرة على تحويل التراث من “ماضٍ يُروى” إلى مستقبلٍ يُبنى.
بقلم / خالد آل دغيم
رئيس الجمعية السعودية للإعلام السياحي

اخبار تهمك